يُعد رأس المال الاجتماعي أحد الركائز الأساسية التي تقوم عليها الشركة التجارية، إذ لا يقتصر دوره على تحديد مساهمة الشركاء في المشروع المشترك، بل يشكل كذلك الضمان المالي الذي يستند إليه الدائنون والمتعاملون مع الشركة عند إبرام مختلف التصرفات والمعاملات. ولهذا السبب أولى المشرع عناية خاصة بالحالات التي تتعرض فيها الشركة لخسائر جسيمة تؤدي إلى تآكل جزء معتبر من رأس مالها، باعتبار أن استمرار هذا الوضع قد يهدد استقرار الشركة ويؤثر على الثقة الواجبة في الحياة التجارية.
وتبرز خطورة هذه الوضعية بصورة خاصة عندما تبلغ الخسائر حد يجعل الأموال الخاصة للشركة تنخفض إلى مستويات لا تتناسب مع رأس المال الاجتماعي المصرح به، الأمر الذي يفرض على الشركاء وممثلي الشركة اتخاذ إجراءات قانونية عاجلة لتحديد مصيرها ومعالجة الاختلال المالي الذي أصابها. ومن هذا المنطلق وضع القانون التجاري أحكام خاصة تهدف إلى ضمان عدم استمرار الشركات في ممارسة نشاطها بصورة قد تضر بمصالح الشركاء أو الدائنين أو المتعاملين معها.
أولاً: الآثار القانونية المترتبة على خسارة ثلاثة أرباع رأس المال الاجتماعي
إن بلوغ الخسائر مستوى يمس ثلاثة أرباع رأس المال الاجتماعي لا يؤدي تلقائياً إلى انقضاء الشركة أو زوال شخصيتها المعنوية، غير أنه يضعها في وضعية قانونية استثنائية تستوجب تدخل الشركاء للفصل في مستقبلها وفق ما تمليه المادة 589 من القانون التجاري الجزائري. ويعود ذلك إلى أن المشرع لا يفترض بالضرورة استحالة استمرار الشركة لمجرد تعرضها لخسائر معتبرة، وإنما يشترط أن يكون الشركاء على علم بحقيقة وضعيتها المالية وأن يتخذوا موقف واضح بشأن استمرار النشاط أو إنهائه.
وتكمن فلسفة هذا التنظيم القانوني في تحقيق التوازن بين مبدأ حرية الشركاء في إدارة شؤون الشركة وبين ضرورة حماية الغير من المخاطر الناجمة عن استمرار نشاط شركة أصبحت قاعدتها المالية ضعيفة بصورة جوهرية. فخسارة جزء كبير من رأس المال تعد مؤشر على وجود اختلال مالي قد يؤثر على قدرة الشركة على الوفاء بالتزاماتها، وهو ما يبرر تدخل القانون لفرض رقابة خاصة على هذه المرحلة من حياتها.
ويقتضي تطبيق هذه الأحكام أن تتم معاينة الوضعية المالية الحقيقية للشركة من خلال الوثائق المحاسبية الرسمية، باعتبار أن تقدير حجم الخسائر لا يمكن أن يستند إلى توقعات أو مؤشرات غير مؤكدة. فالعبرة تكون دائماً بالأموال الخاصة للشركة كما تظهرها الحسابات المعتمدة بموجب القانون، والتي أوجب عرضها على الجمعية العامة العادية السنوية في أجل أقصاه 30 جوان من كل سنة، مع إمكانية لجوء المسيرين إلى استصدار أمر على عريضة من رئيس المحكمة لتمديد هذا الأجل في حالة وجود عائق تقني معلل من المحاسب المعتمد، لأن الحسابات المعتمدة وحدها هي التي تسمح بتحديد ما إذا كانت الشركة قد دخلت فعلاً في نطاق الأحكام الخاصة بخسارة جزء معتبر من رأس المال.
وعندما يثبت تحقق هذه الوضعية، يصبح الشركاء ملزمين بالتداول بشأن مستقبل الشركة واتخاذ القرار المناسب وفقاً للمعطيات الاقتصادية والمالية المتوفرة. ويكتسي هذا القرار أهمية استثنائية لأنه يتعلق باستمرار الشخص المعنوي ذاته، ولا يقتصر على إدارة مسألة مالية أو تجارية عابرة. ولذلك يحرص القانون على أن يصدر عن الجهة المختصة قانوناً وبالأغلبية المطلوبة، وأن يتم إشهاره وفق الإجراءات المقررة حتى يكون معلوماً للغير.
كما أن عدم اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة عند تحقق هذه الوضعية قد يفتح المجال أمام مساءلة المسيرين في بعض الحالات، خاصة إذا أدى الإهمال أو التقاعس إلى استمرار تدهور الوضعية المالية للشركة أو إلى الإضرار بحقوق الغير والمتعاملين معها. ومن ثم فإن التعامل مع خسارة ثلاثة أرباع رأس المال لا يعد خيار تنظيمي فحسب، وإنما يمثل التزام قانوني يفرضه التشريع حماية لاستقرار المعاملات التجارية.
ثانياً: الوسائل القانونية لمعالجة خسارة رأس المال وضمان استمرار الشركة
إذا تبين للشركاء أن الشركة ما تزال تمتلك مقومات الاستمرار وأن الخسائر المسجلة لا تعكس استحالة مواصلة النشاط، فإن القانون يتيح لهم اعتماد مجموعة من الآليات الرامية إلى إعادة التوازن المالي للشركة والحفاظ على استمراريتها.
ويعد قرار مواصلة النشاط أول خطوة في هذا المسار، لأنه يعبر عن إرادة الشركاء في الإبقاء على الشركة وعدم اللجوء إلى حلها. غير أن هذا القرار لا يمكن أن يكون إجراء شكلي أو مجرد إعلان نوايا، بل ينبغي أن يرافقه اتخاذ تدابير مالية حقيقية تسمح بمعالجة أسباب الاختلال وإعادة بناء القاعدة المالية للشركة.
ومن أبرز هذه التدابير زيادة رأس المال الاجتماعي عن طريق إدخال أموال جديدة إلى الذمة المالية للشركة. وتعتبر هذه الآلية من أكثر الوسائل فعالية في مواجهة آثار الخسائر الجسيمة، لأنها تؤدي إلى تدعيم الأموال الخاصة وتحسين المؤشرات المالية للشركة وتعزيز قدرتها على مواصلة النشاط في ظروف مستقرة. كما أنها تعكس ثقة الشركاء في مستقبل الشركة واستعدادهم لتحمل التزامات إضافية من أجل المحافظة عليها.
غير أن زيادة رأس المال تثير في كثير من الأحيان مسألة تأثيرها على نسب المشاركة داخل الشركة. فكلما تم إصدار حصص أو أسهم جديدة واكتتب فيها بعض الشركاء دون غيرهم، فإن نسب الملكية داخل الشركة تكون قابلة للتغيير تبعاً لحجم المساهمات الجديدة. ويعد ذلك أثراً طبيعي لعملية زيادة رأس المال، لأن الحقوق المرتبطة بالشركة تتحدد بحسب حجم المساهمة في رأس مالها؛ وتتحقق هذه الزيادة وتمر قانونا بالاستناد إلى القانون التجـــاري، والذي يقضي وفقًا لنص المـــادّة 586 بأنّه لا يجود ادخـــال أي تعديل بالقانون الأساسي الا بموافقة ¾ الشركــــاء.
وفي بعض الحالات قد يلجأ الشركاء إلى وسائل تمويل بديلة كتقديم قروض للشركة أو دعمها مالياً بوسائل أخرى لا تؤدي إلى تعديل رأس المال الاجتماعي. ورغم ما توفره هذه الحلول من سيولة مالية قد تساعد على تجاوز الصعوبات الآنية، فإنها لا تحقق دائماً الأثر القانوني والمحاسبي ذاته الذي تحققه زيادة رأس المال، خاصة عندما يكون الهدف إعادة تكوين الأموال الخاصة للشركة ومعالجة الخلل الناتج عن الخسائر المتراكمة.
وبمجرد اتخاذ قرار زيادة رأس المال أو أي إجراء يؤدي إلى تعديل البيانات الجوهرية للشركة، يصبح من الضروري استكمال الإجراءات القانونية اللاحقة المتمثلة في تعديل القانون الأساسي وإخضاع التعديلات لإجراءات الإشهار والقيد في السجل التجاري والنشر القانوني. وتكتسي هذه الإجراءات أهمية خاصة لأنها تضمن نفاذ التعديلات في مواجهة الغير وتكرس مبدأ العلنية الذي يقوم عليه القانون التجاري؛ حيث تنص المادة 25 فقرة 5 من القانون التجاري الجزائري صراحة على وجوب قيد إشارة بالسجل التجاري تنص على القرار المتخذ من طرف الجمعية العامة في حالة خسارة ثلاثة أرباع مالية الشركة، لضمان نفاذ هذا الإجراء وإشهار استمرارية النشاط بطريقة قانونية.
إن معالجة خسارة ثلاثة أرباع رأس المال الاجتماعي لا ينبغي النظر إليها باعتبارها مرحلة تؤدي بالضرورة إلى نهاية الشركة، بل قد تشكل فرصة لإعادة هيكلة وضعيتها المالية وتعزيز أسسها الاقتصادية إذا أحسن الشركاء استغلال الآليات القانونية المتاحة لهم. فالمشرع لم يضع هذه الأحكام بهدف التضييق على الشركات أو تعجيل زوالها، وإنما قصد من خلالها ضمان التعامل المبكر مع الأزمات المالية وإلزام الشركاء باتخاذ قرارات واضحة ومسؤولة بشأن مستقبل المشروع المشترك.
ومن ثم، فإن نجاح الشركة في تجاوز هذه المرحلة لا يرتبط فقط بحجم الخسائر المسجلة، بل بمدى قدرة الشركاء على اتخاذ القرارات المناسبة في الوقت المناسب، واستعمال الوسائل القانونية والمالية الكفيلة بإعادة التوازن إلى الشركة والحفاظ على استمراريتها في إطار من الشفافية واحترام الأحكام القانونية المنظمة للحياة التجارية.
الاستاذ حاج بكوش حبيب مروان
+213550108942
+21320424553
hbekkouche.avocat@gmail.com