مقدّمة:
يُعد التشريع من الاختصاصات الأصيلة للسلطة التشريعية باعتبارها الجهة المخولة دستوريًا بالتعبير عن الإرادة العامة من خلال سن القوانين. غير أن مقتضيات استمرارية الدولة وما قد يطرأ من ظروف استثنائية أو أوضاع خاصة قد تحول دون ممارسة البرلمان لاختصاصه التشريعي في الوقت المناسب، وهو ما دفع المؤسس الدستوري الجزائري إلى إقرار آليات استثنائية تجيز لرئيس الجمهورية ممارسة سلطة التشريع في حالات محددة وعلى سبيل الحصر.
ويُعد نظام التشريع بأوامر أحد أبرز هذه الآليات، حيث نظمه الدستور في أكثر من موضع، أهمها المادة 142 المتعلقة بالتشريع أثناء شغور المجلس الشعبي الوطني أو خلال العطلة البرلمانية، والمادة 146 المتعلقة بحالة عدم مصادقة البرلمان على مشروع قانون المالية داخل الأجل الدستوري المحدد.
ورغم اشتراك النصين في إسناد سلطة إصدار أوامر إلى رئيس الجمهورية، إلا أن اختلاف الظروف الدستورية التي تحكم كل منهما يثير تساؤلات مهمة حول الطبيعة القانونية لهذه الأوامر وآثارها والإجراءات التي تخضع لها.
وعليه، تطرح هذه الدراسة الإشكالية الآتية:
هل تخضع الأوامر الصادرة بموجب المادة 146 للنظام الدستوري نفسه المقرر للأوامر المنصوص عليها في المادة 142، أم أنها تشكل نظامًا دستوريًا مستقلاً تفرضه خصوصية قانون المالية ومتطلبات استمرارية المالية العمومية؟
وللإجابة عن هذه الإشكالية، سيتم اعتماد المنهج التحليلي للنصوص الدستورية مع الاستعانة بالتفسير الوظيفي والغاية الدستورية للأحكام محل الدراسة.
المحور الأول: النظام الدستوري للتشريع بالأوامر وفق أحكام المادة 142 من الدستور
تشكل المادة 142 الإطار العام الذي ينظم ممارسة رئيس الجمهورية لسلطة التشريع بأوامر في الحالات الاستثنائية، وهو تنظيم يقوم على مبدأ استثنائية الاختصاص وخضوعه لقيود شكلية وموضوعية تهدف إلى حماية الاختصاص الأصيل للبرلمان.
أولاً: شروط ممارسة سلطة التشريع بالأوامر
يتبين من أحكام المادة 142 أن ممارسة رئيس الجمهورية لهذه السلطة تقتضي توافر جملة من الشروط الدستورية.
فمن الناحية الزمنية، لا يجوز إصدار الأوامر إلا أثناء شغور المجلس الشعبي الوطني بسبب حله أو خلال العطلة البرلمانية، بما يفترض تعذر تدخل البرلمان في الوقت المناسب.
ومن الناحية الموضوعية، يشترط أن يتعلق الأمر بمسائل تتسم بطابع الاستعجال، بحيث لا تحتمل تأجيل تنظيمها إلى غاية استئناف النشاط التشريعي العادي.
أما من الناحية الإجرائية، فقد أوجب الدستور تداول مشروع الأمر في مجلس الوزراء بعد أخذ رأي مجلس الدولة، بما يضمن الحد الأدنى من الرقابة القانونية والمؤسساتية قبل صدوره.
ويستفاد من ذلك أن سلطة التشريع بالأوامر لا تشكل اختصاصًا موازيًا لاختصاص البرلمان، وإنما تمثل استثناءً مؤقتًا تفرضه الضرورة الدستورية.
ثانياً: الرقابة الدستورية والمصير القانوني للأمر
أخضع المؤسس الدستوري الأوامر الصادرة بموجب المادة 142 لجملة من الضمانات الرامية إلى المحافظة على التوازن بين السلطتين التنفيذية والتشريعية.
فمن جهة، تتدخل المحكمة الدستورية وفق الكيفيات التي رسمها الدستور لمراقبة دستورية هذه الأوامر.
ومن جهة أخرى، يلتزم رئيس الجمهورية بعرضها على البرلمان في أول دورة تالية للمصادقة عليها.
ويتميز هذا الإجراء بأن البرلمان لا يناقش الأمر مادةً بمادة، وإنما يبدي موقفه من النص في مجموعه، قبولًا أو رفضًا، باعتبار أن الأمر قد دخل حيز النفاذ قبل عرضه عليه.
ويترتب على رفض البرلمان للمصادقة، أو على عدم عرض الأمر عليه وفق ما يقتضيه الدستور، زوال أثره القانوني وفق الأحكام المنصوص عليها في المادة 142.
المحور الثاني: خصوصية النظام الدستوري للأمر الصادر بموجب المادة 146 من الدستور
تقرر المادة 146 نظامًا خاصًا يرتبط حصريًا بقانون المالية، الأمر الذي يقتضي التمييز بينه وبين النظام العام للتشريع بالأوامر المنصوص عليه في المادة 142.
أولاً: الغاية الدستورية من المادة 146
ألزم الدستور البرلمان بالمصادقة على مشروع قانون المالية خلال أجل أقصاه خمسة وسبعون يومًا من تاريخ إيداعه.
وإذا انقضى هذا الأجل دون المصادقة، خول الدستور رئيس الجمهورية سلطة إصدار قانون المـــــالية بأمر.
ويكشف هذا الحكم عن إرادة واضحة للمؤسس الدستوري في ضمان استمرارية المالية العمومية وانتظام سير المرافق العامة، بالنظر إلى أن قانون المالية يمثل الأداة القانونية التي تسمح للدولة بتحصيل الإيرادات والإنفاق العمومي خلال السنة المالية.
وعليه، فإن تدخل رئيس الجمهورية في هذه الحالة لا يرتبط بغياب البرلمان أو توقف نشاطه، وإنما بعدم انتهاء المسار التشريعي داخل الأجل الذي حدده الدستور.
ثانياً: مدى خضوع الأمر الصادر بموجب المادة 146 لإجراء المصادقة البرلمانية
يثير هذا النص نقاشًا فقهيًا حول ما إذا كان الأمر الصادر بموجب المادة 146 يجب أن يعرض لاحقًا على البرلمان للمصادقة، كما هو الشأن بالنسبة للأوامر المنصوص عليها في المادة 142.
ويبدو أن قراءة النصوص الدستورية في ضوء غاياتها تؤدي إلى ترجيح الرأي القائل بأن الأمر الصادر استنادًا إلى المادة 146 يخضع لنظام دستوري متميز، وذلك لعدة اعتبارات.
أولها أن المادة 146 تمثل نصًا خاصًا خصصه المؤسس الدستوري لمعالجة حالة محددة تتمثل في عدم المصادقة على قانون المالية داخل الأجل الدستوري، بينما تنظم المادة 142 حالات مختلفة تقوم على غياب البرلمان أو تعذر ممارسته لاختصاصه.
وثانيها أن المادة 146 لم تنص صراحة على وجوب إعادة عرض الأمر على البرلمان للمصادقة، بخلاف المادة 142 التي أوردت هذا الالتزام بصورة واضحة.
وثالثها أن إلزام رئيس الجمهورية بإعادة عرض الأمر المالي على البرلمان بعد انقضاء الأجل الدستوري قد يؤدي إلى إفراغ الغاية التي استهدفها المؤسس الدستوري من المادة 146، والمتمثلة في تفادي تعطيل تنفيذ الميزانية وضمان استمرارية المالية العمومية.
ويرجّح الأخذ بالفرضية الأولى، والقائلة بأن الأمر الصادر استنادًا إلى المادة 146 لا يُعاد عرضه على البرلمان للمصادقة، وذلك انسجامًا مع الغاية الدستورية التي ابتغاها المؤسس الدستوري، والمتمثلة في ضمان استمرارية الدولة وتفادي تعطيل سير مؤسساتها، ولا سيما ما يتصل باستمرارية المالية العمومية وانتظام عمل المرافق العامة. فإعادة إخضاع الأمر لإجراء المصادقة البرلمانية بعد انقضاء الأجل الدستوري المحدد قد تفرغ الآلية التي أقرها المؤسس الدستوري من غايتها العملية، وتؤدي إلى إعادة إنتاج الحالة التي سعت المادة 146 إلى تجاوزها. غير أن هذا الترجيح يظل اجتهادًا يستند إلى التفسير الغائي للنص الدستوري، بالنظر إلى أن المسألة لم تُحسم بنص دستوري صريح، كما لم يصدر - في حدود ما هو منشور - اجتهاد عن المحكمة الدستورية يفصل فيها بصورة نهائية، الأمر الذي يبقيها من المسائل المفتوحة أمام التفسير الدستوري والفقهي.
خاتمة:
يتبين من تحليل المادتين 142 و146 من الدستور الجزائري أن المؤسس الدستوري لم يعتمد نموذجًا واحدًا للتشريع بأوامر، وإنما ميز بين نظامين دستوريين يختلف كل منهما من حيث شروط اللجوء إليه، وطبيعته، وآثاره القانونية.
فالأوامر الصادرة بموجب المادة 142 تمثل وسيلة استثنائية لمواجهة حالات تعذر ممارسة البرلمان لاختصاصه التشريعي، ولذلك أخضعها الدستور لرقابة ومصادقة لاحقة من البرلمان.
أما الأمر الصادر استنادًا إلى المادة 146، فإنه يرتبط بخصوصية قانون المالية وبضرورة ضمان استمرارية المالية العمومية، وهو ما يبرر إخضاعه لنظام دستوري خاص يختلف، من حيث المبدأ، عن النظام العام المنصوص عليه في المادة 142.
غير أن غياب نص صريح يحسم بعض الآثار القانونية المترتبة على تطبيق المادة 146 يفتح المجال أمام الاجتهاد الفقهي والقضائي، ويجعل من الضروري أن تتولى المحكمة الدستورية، عند الاقتضاء، توضيح نطاق هذا النظام الدستوري وحدوده بما يحقق التوازن بين احترام الاختصاص التشريعي للبرلمان وضمان استمرارية الدولة في أداء وظائفها المالية.