يُعدّ عقد البيع من أهم العقود المسماة التي تقوم على مبدأ الرضائية وحرية التعاقد، غير أن المشرّع الجزائري لم يترك هذه الحرية مطلقة، بل تدخل لحماية المتعاقد الذي قد يتعرض لإجحاف جسيم نتيجة اختلال التوازن الاقتصادي للعقد. ومن أبرز صور هذه الحماية ما قرره القانون المدني بشأن الغبن في بيع العقار، حيث منح البائع الحق في المطالبة بتكملة الثمن إذا ثبت أن العقار بيع بثمن يقل بصورة معتبرة عن قيمته الحقيقية.
وتبرز أهمية هذا الموضوع في الواقع العملي، خاصة في البيوع المتعلقة بالعقارات الموروثة أو الحقوق العقارية المشاعة، حيث قد يتم التصرف في العقار بثمن لا يتناسب مع قيمته السوقية الفعلية. ومن هنا تثار مسألة شروط ممارسة دعوى الغبن وحدود الحماية التي يوفرها القانون للبائع.
الأساس القانوني لدعوى الغبن في بيع العقار
نظم المشرّع الجزائري دعوى الغبن في بيع العقار بموجب المادة 358 من القانون المدني، التي تقرر حق البائع في المطالبة بتكملة الثمن إذا بيع العقار بغبن يزيد على الخمس. ويستفاد من هذا النص أن المشرّع لم يجعل كل تفاوت بين الثمن المتفق عليه والقيمة الحقيقية للعقار سببًا للتدخل القضائي، وإنما اشترط أن يبلغ هذا التفاوت حدًا معينًا من الجسامة يبرر إعادة التوازن إلى العقد.
ويقصد بالغبن في هذا المجال وجود فرق جوهري بين الثمن المتفق عليه وبين القيمة الحقيقية للعقار وقت إبرام البيع، بحيث يؤدي هذا الفرق إلى إلحاق ضرر اقتصادي معتبر بالبائع. ولذلك فإن دعوى الغبن لا ترمي إلى مراجعة الأسعار أو إعادة التفاوض بشأن العقد، وإنما تهدف إلى معالجة حالة استثنائية يكون فيها الثمن بعيدًا بشكل واضح عن القيمة الحقيقية للمبيع.
شروط قيام دعوى تكملة الثمن
يشترط القانون لقيام دعوى الغبن أن يتعلق البيع بعقار أو بحق عيني عقاري، لأن الحماية المقررة في المادة 358 من القانون المدني تقتصر على العقارات دون المنقولات. كما يجب أن يكون الغبن متجاوزًا للخمس، أي أن يكون الثمن المتفق عليه أقل من أربعة أخماس القيمة الحقيقية للعقار وقت البيع.
وتُعد مسألة تحديد تاريخ تقدير القيمة الحقيقية للعقار من المسائل الجوهرية في هذا النوع من الدعاوى، إذ استقر الفقه والقضاء على أن العبرة تكون بتاريخ إبرام عقد البيع وليس بتاريخ رفع الدعوى أو تاريخ الفصل فيها. ويعود ذلك إلى أن الغبن يجب أن يكون قائمًا لحظة انعقاد العقد حتى ينتج أثره القانوني.
كما اشترط المشرّع أن ترفع الدعوى خلال أجل ثلاث سنوات من تاريخ انعقاد البيع، وهو أجل خاص يهدف إلى تحقيق الاستقرار في المعاملات العقارية ومنع بقاء العقود مهددة بالمنازعة لفترات طويلة.
إثبات الغبن ودور الخبرة القضائية
يقع عبء إثبات الغبن على عاتق البائع الذي يدعي أن العقار بيع بثمن بخس مقارنة بقيمته الحقيقية. ويستلزم ذلك إثبات القيمة السوقية للعقار وقت البيع وإظهار الفرق بينها وبين الثمن المتفق عليه في العقد.
وفي الممارسة القضائية تعتبر الخبرة العقارية الوسيلة الأساسية لإثبات الغبن، نظرًا للطابع الفني الذي تتسم به عملية تقييم العقارات. ويقوم الخبير بدراسة طبيعة العقار ومساحته وموقعه وخصائصه العمرانية، ثم يحدد قيمته السوقية الحقيقية وفق المعايير السائدة في تاريخ البيع. كما يتولى احتساب نسبة الغبن وتحديد ما إذا كانت تتجاوز الحد الذي اشترطه القانون.
وتكتسي الخبرة أهمية خاصة لأن تقدير القيمة الحقيقية للعقار لا يدخل ضمن المسائل القانونية البحتة، وإنما يعد مسألة فنية تستوجب الاستعانة بأهل الاختصاص.
الآثار القانونية المترتبة على ثبوت الغبن
إذا ثبت للمحكمة أن العقار بيع بغبن يتجاوز الخمس، فإن الجزاء المقرر قانونًا لا يتمثل في إبطال البيع أو فسخه، وإنما في إلزام المشتري بدفع تكملة الثمن بما يرفع المقابل المالي إلى الحد الذي قرره القانون، وهو أربعة أخماس ثمن المثل على الأقل.
ويعكس هذا الحل حرص المشرّع على تحقيق التوازن بين مصلحتين متعارضتين؛ فمن جهة يحمي البائع الذي تعرض لغبن جسيم، ومن جهة أخرى يحافظ على استقرار المعاملات العقارية وعدم المساس بالتصرفات التي تمت بصورة صحيحة من الناحية القانونية.
الغبن في البيوع المتعلقة بالتركات
تتجلى أهمية دعوى الغبن بصورة خاصة في البيوع التي ترد على العقارات الموروثة أو الحصص الناتجة عن القسمة القضائية. فكثيرًا ما يلجأ بعض الورثة إلى بيع حقوقهم العقارية دون إدراك القيمة الحقيقية للعقار أو في ظروف تؤدي إلى قبول أثمان متدنية مقارنة بالقيمة السوقية الفعلية.
وفي مثل هذه الحالات لا يحول انتقال الملكية أو صحة عقد البيع أو صحة الوكالة المستعملة في إبرام التصرف دون ممارسة دعوى الغبن، متى ثبت أن الثمن المتفق عليه يقل عن الحد الأدنى الذي يحميه القانون. ومن ثم تبقى الحماية المقررة في المادة 358 قائمة كلما توفرت شروطها الموضوعية والإجرائية.
تُعد دعوى تكملة الثمن بسبب الغبن إحدى الآليات القانونية التي كرسها المشرّع الجزائري لضمان قدر من العدالة في المعاملات العقارية. فهي تمثل استثناءً على مبدأ القوة الملزمة للعقد، يهدف إلى مواجهة الحالات التي يختل فيها التوازن الاقتصادي للعقد اختلالًا جسيمًا. كما تؤكد هذه الدعوى الدور المحوري للخبرة القضائية في تحديد القيمة الحقيقية للعقار وإثبات الغبن، بما يسمح للقضاء بإعادة التوازن العقدي دون المساس باستقرار الملكية والتصرفات العقارية.
الأستاذ حاج بكوش حبيب مروان
محـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــامي