يُعد عقد الإيجار من أكثر العقود تداولاً في المعاملات اليومية، لما يمثله من ارتباط مباشر بحق السكن والاستقرار الاجتماعي، وهو ما جعل المشرّع الجزائري يُخضعه منذ صدور القانون المدني بموجب الأمر رقم 75-58 المؤرخ في 26 سبتمبر 1975 لتنظيم خاص يقوم على مبدأ التوازن بين مصلحة المؤجر وحماية المستأجر.
غير أنّ هذا التنظيم عرف تحوّلاً جذرياً بموجب القانون رقم 07-05 المؤرخ في 13 ماي 2007، لا سيما فيما يتعلّق بتحديد قيمة بدل الإيجار وتجديد العقد، الأمر الذي أفرز إشكالات تطبيقية وقضائية لا تزال مطروحة إلى يومنا هذا، خاصة في ما يتعلّق بالإيجارات المبرمة في ظل التشريع السابق.
وعليه، تهدف هذه الدراسة إلى بيان النظام القانوني لتحديد بدل الإيجار قبل وبعد تعديل 2007، وتحليل الوضعية الانتقالية، ثم مناقشة مدى مشروعية استمرار تطبيق النصوص الملغاة
أولا: تحديد قيمة بدل الإيجار في ظل القانون المدني قبل تعديل 2007
قبل تعديل 2007، كان عقد الإيجار يخضع لنظام قانوني حمائي، تجلّى أساساً في المواد من 470 إلى 574 من القانون المدني، والتي وضعت قيوداً موضوعية على حرية التعاقد، خاصة في ما يتعلّق بتجديد الإيجار وتحديد بدل الإيجار.
وتُعد المادة 471 من القانون المدني (قبل إلغائها) النص المحوري في هذا الإطار، إذ نظّمت حالة الإيجار الجديد الذي لم يتفق فيه الطرفان على تحديد بدل الإيجار، وأقرت آلية قانونية قوامها تدخل القضاء لضبط قيمة الإيجار عند النزاع.
فقد ألزمت هذه المادة المؤجر بإعلام المستأجر كتابة بقيمة بدل الإيجار المقترح خلال أجل شهر من تاريخ الحلول في محل السكن، واعتبرت سكوت المستأجر مدة شهر قبولاً ضمنياً للثمن. وفي حالة الاعتراض، خوّلت الطرف المستعجل رفع دعوى أمام المحكمة لتحديد بدل الإيجار، مع استمرار دفع البدل السابق إلى حين الفصل في النزاع.
كما حدّدت المادة ذاتها معايير موضوعية لتقدير بدل الإيجار، من بينها التعريفات الرسمية والأسعار الجارية في المحلات المماثلة، إضافة إلى تاريخ البناء وحالة العمارة، وهو ما جعل القاضي سلطة تقديرية مضبوطة بمعايير قانونية صريحة.
ويُستخلص من ذلك أن المشرّع قبل تعديل 2007 كان يتبنى فلسفة تدخلية تهدف إلى حماية المستأجر والحد من تعسف المؤجر، حتى على حساب مبدأ سلطان الإرادة.
ثانيًا: النظام القانوني لتحديد بدل الإيجار بعد تعديل 2007
أحدث القانون رقم 07-05 لسنة 2007 قطيعة تشريعية واضحة مع النظام السابق، وذلك بإلغائه الصريح للمواد من 470 إلى 574 من القانون المدني، بما فيها المادة 471، وهو ما ترتب عنه زوال الإطار القانوني الذي كان يجيز تدخل القضاء في تحديد بدل الإيجار عند غياب الاتفاق.
وقد كرّس التعديل الجديد مبدأ حرية التعاقد، من خلال:
ــــ فرض الكتابة كشرط أساسي لانعقاد عقد الإيجار.
ــــ إنهاء مبدأ التجديد الضمني للإيجار بقوة القانون.
ــــ اعتبار انتهاء مدة العقد سبباً لانقضاء العلاقة الإيجارية، مع التزام المستأجر برد العين المؤجرة، طبقاً للمادة 503 من القانون المدني بصيغته المعدلة.
وبالتالي، أصبح تحديد بدل الإيجار يخضع حصراً لإرادة الطرفين، ولا مجال لتدخل القضاء إلا في حدود النزاعات الناشئة عن تنفيذ العقد، وليس عن إعادة تحديد مضمونه.
ثالثًا: الوضعية الانتقالية للإيجارات السابقة وأثرها على تحديد بدل الإيجار
نصّت المادة 507 مكرر من القانون المدني، المستحدثة بموجب القانون 07-05، على نظام انتقالي للإيجارات المبرمة في ظل التشريع السابق.
فقررت في فقرتها الأولى خضوع هذه الإيجارات لأحكام القانون القديم لمدة عشر سنوات ابتداءً من تاريخ نشر القانون، وهو ما يُفهم منه أن المشرّع حدّد أجلاً زمنياً واضحاً لاستمرار تطبيق النصوص الملغاة.
غير أن الفقرة الثانية من نفس المادة أقرّت استثناءً شخصياً لفائدة المستأجرين الذين بلغوا ستين سنة كاملة عند تاريخ نشر القانون، حيث أبقت لهم حق البقاء في الأماكن المعدة للسكن إلى حين وفاتهم، وفقاً للتشريع السابق.
ويُستفاد من ذلك أن المشرّع حصر استمرار تطبيق القانون القديم في نطاقين لا ثالث لهما: نطاق زمني محدد، ونطاق شخصي استثنائي.
رابعا: مدى مشروعية استمرار تطبيق المادة 471 الملغاة قضائياً
يثير استمرار عرض دعاوى رفع بدل الإيجار على المحاكم، استناداً إلى عقود سابقة لسنة 2007، إشكالاً قانونياً جوهرياً يتمثل في مدى جواز تطبيق المادة 471 الملغاة خارج نطاق المادة 507 مكرر.
ومن حيث المبدأ، فإن القاعدة العامة تقضي بأن النص الملغى لا يُعمل به بعد زواله، ولا يجوز إحياؤه إلا بنص صريح. وبما أن المشرّع حدّد على سبيل الحصر الحالات التي يستمر فيها تطبيق التشريع السابق، فإن أي توسّع في ذلك يُعد مخالفة صريحة لمبدأ الشرعية.
وعليه، فإن تطبيق أحكام المادة 471 الملغاة لتحديد أو رفع بدل الإيجار:
ـــ بعد انقضاء مدة العشر سنوات،
ـــ أو خارج فئة المستفيدين من حق البقاء المنصوص عليه في المادة 507 مكرر فقرة 2،
لا يجد له سنداً قانونياً في النصوص النافذة، ويُعد خروجاً عمـــا جــــاء به التشريع.
ابتداءًا من كل مـــا سبق عرضه، يمكن أن نستنتج أنّ تعديل 13/05/2007 أعاد تشكيل النظام القانوني لعقد الإيجار في الجزائر، لا سيما في ما يتعلّق بتحديد بدل الإيجار، حيث انتقل المشرّع من منطق الحماية القانونية المفروضة إلى منطق الحرية التعاقدية.
وبناءً على ذلك، فإن استمرار تطبيق النصوص الملغاة، وعلى رأسها المادة 471، خارج الإطار الانتقالي المحدد حصراً بالمادة 507 مكرر، لا يستقيم قانوناً، ويُخالف قواعد تفسير النصوص ومبدأ الأمن القانوني.