من الأمور المشجعة بشكل خاص في تطور السوق الجزائرية اليوم، التقدم الذي تعرفه الصناعة والإنتاج المحلي.
فالمؤسسات الجزائرية أصبحت أكثر عدداً في تطوير منتجاتها، والاستثمار في صورتها وعلاماتها التجارية، كما أصبحت المنتجات المحلية تحتل مساحة أكبر في رفوف المتاجر ونقاط البيع. ولا شك أن تنوع العرض يمثل تطوراً إيجابياً بالنسبة للاقتصاد الوطني وللمستهلك على حد سواء.
غير أن هذا التطور يطرح أيضاً ظاهرة تستدعي من المؤسسات الجزائرية مزيداً من الاهتمام، وهي أن تصميم العلامة التجارية والتغليف والهوية البصرية لا يمكن أن يُنظر إليه باعتباره مجرد مسألة تسويقية، بل هو أيضاً مسألة قانونية واستراتيجية.
عندما يتحول التغليف إلى مصدر للمخاطر
يكفي أحياناً التجول بين رفوف أحد المتاجر لملاحظة أن بعض المنتجات تحمل هوية بصرية قريبة جداً من هوية علامات تجارية معروفة على المستوى الدولي.
اسم مشابه أو قريب، ألوان متطابقة أو شبه متطابقة، خط كتابي مشابه، شعار قريب، أو حتى شكل تغليف متقارب...
ويبدو أن بعض أصحاب المؤسسات يعتقدون أن تغيير حرف واحد في اسم العلامة، أو تعديل لون بشكل بسيط، أو إدخال بعض التغييرات على التصميم، يكفي لتجنب أي إشكال قانوني.
وهنا تحديداً تكمن المشكلة.
فمجرد تغيير بعض العناصر لا يعني بالضرورة إزالة الخطر القانوني.
فالعلامة التجارية لا تقتصر على اسمها فقط، وإنما يمكن أن يتعلق الأمر أيضاً بالعناصر المميزة لها، وهويتها البصرية، والعناصر التي يمكن أن تؤدي إلى إحداث لبس لدى المستهلك، وبصفة عامة بالظروف التي يُعرض فيها المنتج على الجمهور.
وعليه، فإن المؤسسة التي تبني هويتها التجارية من خلال الاقتراب بشكل مفرط من علامة موجودة أصلاً، قد تكون، دون أن تدرك ذلك، بصدد إنشاء خطر سيتضاعف كلما تطور نشاطها واتسعت حصتها في السوق.
الخطر الأول: المستهلك
الخطر الأول هو ذلك الذي يمكن أن تواجهه المؤسسة مباشرة، أي المستهلك نفسه.
فقد يقتني المستهلك منتجاً معتقداً أنه علامة يعرفها، أو أن هناك علاقة بينها وبين المنتج الذي يشتريه، ثم يكتشف بعد عملية الشراء أن الأمر مختلف تماماً.
وربما لا يكون المستهلك الجزائري اليوم، في جميع الحالات، على درجة كافية من الوعي بحقوقه تجعله يبادر بشكل منهجي إلى اتخاذ الإجراءات القانونية.
لكن هذا الأمر قد يتغير.
فأحياناً يكفي مستهلك واحد أكثر وعياً، أو منشور واحد على شبكات التواصل الاجتماعي، أو مقطع فيديو ينتشر بشكل واسع، حتى تتحول مشكلة كانت تبدو محدودة داخل أحد رفوف المتاجر إلى أزمة تواصل حقيقية خلال ساعات قليلة.
وعندها لن تكون المؤسسة مطالبة فقط بالتعامل مع إشكال قانوني محتمل.
بل ستجد نفسها مضطرة أيضاً إلى التعامل مع:
وهكذا يمكن للخطر القانوني أن يتحول بسرعة إلى خطر على سمعة المؤسسة.
الخطر الثاني: صاحب العلامة التجارية
الخطر الثاني يأتي من صاحب العلامة التجارية التي تم تقليدها أو الاقتراب منها.
قد تشعر المؤسسة اليوم بأن الخطر محدود لأن العلامة الأجنبية المعنية ليست حاضرة بشكل مباشر في السوق الجزائرية.
لكن لا ينبغي لأي مؤسسة أن تبني استراتيجيتها على افتراض أن منافساً معيناً لن يدخل السوق أبداً.
فالأسواق تتغير.
وقد تقرر علامة تجارية دولية غداً تسويق منتجاتها في الجزائر، أو تطوير شراكة محلية، أو إنشاء فرع لها، أو ببساطة تعزيز حضورها في السوق.
وعندها، يمكن للهوية التي بنتها المؤسسة الجزائرية أن تتحول إلى مشكلة قانونية حقيقية.
ولا يقتصر الأمر حينها على مجرد نقاش قانوني.
فقد تجد المؤسسة نفسها مضطرة إلى تغيير اسمها، وشعارها، وتغليف منتجاتها، ووسائل اتصالها، وربما إعادة بناء جزء كبير من هويتها التجارية.
التكلفة الحقيقية ليست قانونية فقط
وهذه ربما هي النقطة الأكثر استهانة بها.
لنفترض أن مؤسسة أطلقت منتجاً قبل خمس سنوات.
لقد استثمرت في:
ثم ينشأ نزاع.
وتجد المؤسسة نفسها مضطرة إلى تغيير هويتها.
وعليها إعادة تصميم عبواتها.
وربما سحب منتجاتها من السوق.
وإعادة إنتاج وسائلها الإعلانية.
وتفسير التغيير لموزعيها ومستهلكيها.
ثم إعادة الاستثمار من أجل بناء هوية جديدة، كان من الممكن أصلاً تصميمها بطريقة سليمة منذ البداية.
إن التكلفة الحقيقية للمخاطر القانونية قد تكون، في كثير من الأحيان، تكلفة كل ما ستضطر المؤسسة إلى إعادة بنائه.
ولهذا يجب التفكير في الأمر باعتباره مخاطرة تجارية واستراتيجية، وليس مجرد مخاطرة قانونية.
التسويق لا يبدأ من الـ 4P
وهنا أيضاً ينبغي تجاوز تصور معين للتسويق.
فالتسويق ليس مجرد إشهار أو ترويج أو بيع.
ولا ينبغي أن يبدأ عندما يكون المنتج قد أصبح جاهزاً بالفعل.
قبل التفكير حتى في عناصر المزيج التسويقي التقليدي — المنتج، السعر، التوزيع والترويج — يجب على المؤسسة أن تطرح سؤالاً أساسياً:
ما هي العلامة التجارية التي نحن بصدد بنائها؟
هل الاسم مناسب؟
هل هو متاح؟
هل الهوية البصرية مميزة بما يكفي؟
هل يمكن أن يؤدي التغليف إلى إحداث لبس لدى المستهلك؟
هل يتناسب الخطاب الاتصالي مع تموقع المؤسسة؟
وهل يمكن تطوير هذه العلامة خلال السنوات الخمس أو العشر القادمة؟
بمعنى آخر، يجب أن يتضمن التسويق تفكيراً استراتيجياً وقانونياً منذ المراحل الأولى.
هل ينبغي أن يتدخل القانوني فقط عندما تظهر المشكلة؟
في رأيي، لا.
وهذه تحديداً إحدى الممارسات التي ينبغي للمؤسسات الجزائرية أن تتجه تدريجياً إلى ترسيخها.
فالمستشار القانوني أو مصلحة الشؤون القانونية داخل المؤسسة لا ينبغي أن يكون دوره مقتصراً على التدخل عندما تتلقى المؤسسة إعذاراً، أو استدعاءً قضائياً، أو عندما يكون النزاع قد نشأ فعلاً.
بل ينبغي أن يكون له أيضاً دور وقائي واستباقي.
فعند إطلاق علامة تجارية جديدة، ينبغي أن يعمل القسم القانوني بالتنسيق مع قسم التسويق منذ المراحل الأولى:
اختيار الاسم ← التحقق القانوني ← الهوية البصرية ← التغليف ← الاتصال ← الإطلاق.
ومن شأن هذا التنسيق أن يسمح باكتشاف المخاطر قبل أن تستثمر المؤسسة مبالغ كبيرة في مشروع قد تضطر إلى إعادة بنائه لاحقاً.
وهنا يتحول القانون من مجرد وظيفة لحل المشكلات إلى أداة حقيقية لخلق القيمة وحماية الاستثمار.
وعلى التسويق أيضاً أن يفهم الجانب القانوني
لكن هذه المسؤولية لا تقع على عاتق القانوني وحده.
فعلى قسم التسويق أيضاً أن يدرك أن الفكرة التجارية الجيدة ليست بالضرورة فكرة سليمة من الناحية القانونية.
قد تكون الهوية البصرية ممتازة من الناحية التسويقية، لكنها في الوقت نفسه تعرض المؤسسة لمخاطر كان من الممكن تجنبها.
ولهذا ينبغي لمسؤول التسويق أن يعمل بالتنسيق مع القانوني، وأن يفهم القيود الأساسية، وأن يقبل أحياناً بتعديل بعض الخيارات الإبداعية من أجل حماية المؤسسة.
المسألة ليست في أن نسمح للقانوني بمنع التسويق من العمل.
بل العكس تماماً.
المطلوب هو أن نسمح للتسويق ببناء علامة قوية، مميزة وقابلة للاستمرار.
وماذا عن الاتصال في أوقات الأزمات؟
هناك مستوى ثالث غالباً ما يتم تجاهله: الاتصال يجب أن يُخطط له أيضاً قبل وقوع الأزمة.
ينبغي للمؤسسة أن تعرف مسبقاً كيف ستتعامل مع وضعية تتعرض فيها علامتها لاتهامات بالتقليد أو التضليل أو الممارسات التجارية محل الانتقاد.
من يتحدث باسم المؤسسة؟
ما هي الرسالة التي سيتم تقديمها؟
من يصادق على الخطاب الاتصالي؟
ما هو الموقف القانوني للمؤسسة؟
كيف سيتم الرد على المستهلكين؟
وكيف يمكن منع إشكال قانوني من التحول إلى أزمة على مستوى السمعة؟
إن انتظار اندلاع الأزمة من أجل التفكير في هذه الأسئلة غالباً ما يكون استراتيجية سيئة.
الاتصال الجيد في الأزمات يبدأ قبل الأزمة.
نحو ثقافة جديدة داخل المؤسسة
في النهاية، فإن المسألة تتجاوز بكثير موضوع التغليف.
إنها تتعلق بالطريقة التي ينبغي للمؤسسات الجزائرية أن تنظر بها إلى نموها وتطورها.
فالمؤسسة التي تريد بناء علامة تجارية مستدامة لا يمكنها أن تعمل من خلال مصالح منفصلة، بحيث يعمل كل قسم بمعزل عن الآخر.
لا يمكن للتسويق أن يتجاهل القانون.
ولا يمكن للقانون أن يتجاهل التحديات التسويقية.
ولا يمكن للاتصال أن يتجاهل الاثنين معاً.
وعلى الإدارة العامة أن تكون قادرة على جعل هذه الوظائف تعمل حول هدف واحد:
خلق القيمة مع التحكم في المخاطر.
فالمؤسسة التي تستثمر سنوات في بناء علامة تجارية يجب أن تفكر في حمايتها منذ اليوم الأول.
لأن التحدي الحقيقي ليس فقط أن تنجح في بيع منتج اليوم.
بل أن تكون قادرة على الاستمرار في بيعه غداً، تحت علامة تجارية تملك السيطرة القانونية عليها، ويمكنها تطويرها بثقة وأمان.
وفي سوق جزائرية تتطور تدريجياً، ومع تزايد حضور الإنتاج المحلي وتنوع المنتجات، ستصبح هذه المسألة بالضرورة أكثر أهمية.
لذلك، لم يعد من المفترض النظر إلى التسويق والقانون باعتبارهما وظيفتين منفصلتين.
بل ينبغي أن يصبحا مكونين أساسيين لاستراتيجية واحدة لتطوير المؤسسة وحماية قيمتها.