لم تعد حماية المستهلك مسألة قانونية تقنية فحسب، بل أصبحت في سنة 2026 موضوعا يقع في صلب تفاعل ثلاث منظومات أساسية: القانون، ممارسات السوق والسياسات العمومية. إن معالجة هذه المسألة من زاوية واحدة فقط يؤدي غالبا إلى قواعد غير فعّالة أو بعيدة عن الواقع الاقتصادي والاجتماعي.
قانون حماية المستهلك: أساس ضروري لكنه غير كافي
يُعدّ قانون حماية المستهلك في جوهره قانون تصحيحي، وُضع لإعادة التوازن في علاقة غير متكافئة بطبيعتها بين المهني والمستهلك.
من حيث المبدأ، تتضمن المنظومة القانونية آليات متعددة، من بينها:
واجب الإعلام والشفافية، مكافحة الشروط التعسفية، محاربة الممارسات التجارية المضللة، حماية رضا المستهلك.
غير أن الواقع يُظهر أن وفرة النصوص لا تعني بالضرورة فعاليتها. فكثير من القواعد تبقى غير معروفة أو ضعيفة التطبيق، خاصة أمام تطور التجارة الرقمية، المنصات الإلكترونية، الخدمات المعقدة، تقنيات التسويق الحديثة.
ممارسات السوق: المجال الحقيقي لحماية المستهلك
تتجسد حماية المستهلك فعليًا داخل السوق، لا في النصوص وحدها.
سياسات التسعير، أساليب التسويق، وضوح العقود، استعمال البيانات، والتأثير السلوكي، كلها عناصر تحدد موقع المستهلك وقوته التفاوضية.
وقد اعتُبر التسويق لفترة طويلة عنصرًا مناقضًا لحماية المستهلك، غير أن الواقع يثبت أنه يمكن أن يكون أداة تضليل واستغلال، أو وسيلة للشفافية وبناء الثقة.
الشركات التي تعتمد ممارسات مسؤولة وأخلاقية لا تحمي المستهلك فقط، بل تحمي أيضًا سمعتها واستدامتها الاقتصادية.
السياسات العمومية: من منطق ردّ الفعل إلى منطق الاستباق
تعاني السياسات العمومية في مجال حماية المستهلك في كثير من الأحيان من طابعها التفاعلي، حيث تتدخل بعد وقوع الأزمات أو الاختلالات.
بينما تفرض التحولات الاقتصادية الحديثة اعتماد مقاربة استباقية ومنسقة.
ويفترض ذلك تنسيقًا فعّالًا بين الهيئات العمومية، إشراك المجتمع المدني، الاعتماد على المعطيات والدراسات، تكييف التنظيم مع النماذج الاقتصادية الجديدة.
حماية المستهلك ليست من اختصاص جهة واحدة، بل تتقاطع مع قطاعات متعددة مثل المنافسة، التمويل، الصحة، الطاقة، الاقتصاد الرقمي.
نحو مقاربة شاملة: القانون، التسيير والمصلحة العامة
إن إعادة التفكير في حماية المستهلك تقتضي اعتماد مقاربة أفقية ومتكاملة، يكون فيها القانون أداة لتحديد الإطار العام والضوابط الأساسية، بينما يتولى التسيير والحوكمة توجيه الممارسات الفعلية داخل المؤسسات والأسواق، وتعمل السياسات العمومية على ضمان التوازن والانسجام بين مختلف المصالح الاقتصادية والاجتماعية. ولا يمكن أن تنجح هذه المقاربة إلا بوجود مؤسسات اقتصادية مسؤولة، ومستهلك واعي بحقوقه وواجباته، وأجهزة رقابة فعالة، إلى جانب مجتمع مدني منظم وقادر على لعب دوره التأطيري والاقتراحي. وفي ظل هذه الشروط، تتحول حماية المستهلك إلى مؤشر حقيقي على مستوى نضج الاقتصاد وجودة الحكم الرشيد.
لم تعد حماية المستهلك قضية هامشية أو تقنية. إنها اليوم رهان قانوني، اقتصادي وسياسي.
إعادة التفكير فيها تعني العمل على النصوص، والممارسات، والسياسات في آنٍ واحد، بهدف واحد: تعزيز الثقة.
فحماية المستهلك لا تعني معاداة السوق،
بل تعني بناء سوق أكثر عدلا، أكثر شفافية، وأكثر استدامة.